تشهد موريتانيا منذ سنوات مرحلة انتقالية تتداخل فيها القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا السياق، يبدو الحوار الأداة الأكثر فعالية للتوفيق بين تطلعات الشعب المتنوعة ومتطلبات الحكم الرشيد.
لا يُعدّ الحوار مفهومًا نظريًا، بل يتجسد من خلال مساحات للتشاور تتيح لجهات الدولة والأحزاب السياسية والمجتمع المدني والشباب تبادل الأفكار بحرية. وتسهم هذه اللقاءات في تخفيف حدة التوترات، واستباق الأزمات، وبناء توافق في الآراء حول الإصلاحات الأساسية، سواء أكانت متعلقة باللامركزية، أو إدارة الموارد الطبيعية، أو مكافحة الفساد.
وتُجسّد العديد من المبادرات الحديثة هذه الديناميكية. ففي ظل قيادة صاحب الفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، أطلقت الحكومة موائد مستديرة إقليمية تجمع مسؤولين منتخبين محليين، وفاعلين محليين، وممثلين عن منظمات غير حكومية. أسفرت هذه المنتديات بالفعل عن مخرجات ملموسة، بما في ذلك تنفيذ مشاريع إمدادات المياه في المناطق الريفية وإنشاء برامج تدريب مهني للشباب.
وبالتوازي مع ذلك، تضطلع منظمات المجتمع المدني بدور محوري، إذ تضمن نشر المعلومات، وتيسير مشاركة المواطنين، وضمان شفافية النقاشات. ويضمن وجودها ألا تقتصر المناقشات على المجالات السياسية فحسب، بل أن تعكس بصدق هموم الموريتانيين اليومية.
مع ذلك، لا ينبغي النظر إلى الحوار كغاية في حد ذاته، بل يجب أن يقترن بالتزام حقيقي بالتنفيذ. فالثقة تُبنى بالاستمرارية، وكل التزام يُوفى به يعزز مصداقية الجهات الفاعلة ويشجع المزيد من أصحاب المصلحة على المشاركة.
ومع ذلك، يمثل الحوار في موريتانيا فرصة فريدة لتحويل تحديات البلاد إلى محركات للتنمية المستدامة. فإذا استمرت الجهود وتُرجمت الالتزامات إلى إجراءات ملموسة، فقد يصبح ذلك أساسًا لحوكمة أكثر شمولًا ومرونة، قادرة على تلبية تطلعات شعب يتوق إلى السلام والعدالة والازدهار.
أختتم بهذه المقولة الملهمة: "الحوار الحقيقي يفترض الاعتراف بالآخر في هويته واختلافه." - جاك لاكان

