لكَ الله يا وطن…
حين يثقلكَ الصمت، وتخور في دروبك الخطى، وتغدو وحدك في زحام لا يسمع إلا وقع مصالحه. من يفكر فيك حقا؟ من يراك أكثر من أرض تسكن، وأكثر من اسم في نشيد؟ من يراك روحا إن انكسرت انكسرنا، وقلبا إن نزف نزفنا معه؟
لكَ اللهُ يا وطن…
وأنت تسأل ولا يجاب عنك، وتستنزف ولا تحمى، وتؤجل أحلامك عاما بعد عام. تنميتك بند مؤجل، وازدهارك وعد معلق، وتطورك حديث مجالس لا يبرح شفاه قائليه. كأن المستقبل ترف لا تستحقه، وكأن البناء خارجك هو المنطق، وهو النجاة، وهو الطريق الأسهل لمن أراد السلامة لنفسه ونسيك.
لكَ اللهُ يا وطن…
وقد صار الكثيرون يسعون لجيوبهم قبل أن يسعوا لصدرك، لرفاهيتهم قبل رفاهك، لتقدّمهم الفردي ولو كان على حساب تأخرك الجماعي. هاجروا من فكرة الوطن قبل أن يهاجروا من ترابه، وانسحبوا من مسؤولية الحلم قبل أن ينسحبوا من الساحة. أقنعوا أنفسهم أن الحياة يمكن أن تعاش بعيدًا عنك، وأن النجاح لا يحتاجك، وأن المجد يصنع بلا جذور.
لكنهم نسوا…
أن الحياة دون وطن حياة بلا طعم، بلا لون، بلا نكهة. كطعامٍ بلا ملح، وسماء بلا شمس، وذاكرة بلا أسماء. نسوا أن الوطن ليس فندقا نغادره حين تسوء الخدمة، بل بيت إن تهدم سقفه سقط على رؤوس الجميع. نسوا أن دفئهم من دفئك، وأن أمنهم من أمنك، وأن أسماءهم لا تُنطق كاملة إلا إذا سبقتها كلمة: هذا وطني.
لكَ اللهُ يا وطن…
وأنت لا تطلب المستحيل، ولا تنتظر المعجزات. تطلب فقط قلبا صادقا، ويدا نظيفة، وعقلا يرى فيك مشروع حياة لا صفقة عابرة. تطلب من يؤمن أن التضحية لأجلك ليست خسارة، بل استثمار في معنى البقاء، وأن البناء فيك هو الطريق الأقصر لبناء الإنسان.
لكَ اللهُ يا وطن…
حتى يعود إليك من يفهم أن الوطن حين ينهض يرفع الجميع، وحين يسقط لا ينجو أحد. وحتى يدركوا أن الوفاء لك ليس شعارا، بل سلوكا يوميا، وأن حبك ليس قصيدة تقال، بل عمل ينجز، ووجع يحتمل، وأمل لا يموت.
لك الله يا وطن / محمد ولد عمار

