الخطوط الحمراء ... في زمن الضجيج/ محمد ولد عمار

في زمن تتكاثر فيه البلبلة وتتلاطم فيه الأمواج، تصبح الكلمة فعلا سياديا لا يقل أثرا عن القرار، وتغدو السياسة امتحانا دائما لوعي الدولة وصلابة الكيان. فالضجيج حين يعلو بلا بوصلة، لا يعبر عن تعددية صحية بقدر ما يكشف هشاشة في المعنى، وانفلاتا في المسؤولية، وخللا في إدراك الخطوط الحمراء التي تحفظ للأمة تماسكها، وللمجتمع سلمه، وللدولة هيبتها. ليست الخطوط الحمراء جدارا صلدا ضد التفكير، ولا قيدا على النقد المشروع؛ إنها، في جوهرها، حدود أخلاقية وقانونية ورمزية، تصان بها المصلحة العليا وتدرأ بها الفتنة. فالأمة، بوصفها رابطة قيم ومعنى، لا تقوم على الإجماع القسري، لكنها لا تحتمل العبث بمقدساتها الجامعة، ولا التساهل مع خطاب يقوض وحدتها أو يشيطن مكوناتها أو يفرغ تاريخها من دلالته المشتركة. هنا، يكون الاختلاف ثراء ما دام يحفظ المشترك، ويصير هدما حين يستهدف الأسس. أما المجتمع، فهو نسيج دقيق؛ تمزقه الشائعات كما تمزق الرياح خيوط العنكبوت. البلبلة، حين تدار بوعي أو تستثمر سياسيا، تنتج خوفا وتعمق الاستقطاب وتضعف الثقة الأفقية بين الأفراد. الخط الأحمر الاجتماعي يبدأ من صون السلم الأهلي، واحترام الكرامة الإنسانية، ورفض التحريض والكراهية، وتجريم تسويق الأكاذيب بوصفها “حرية تعبير”. فحرية الكلمة، إن لم تقرَن بالمسؤولية، تنقلب سلاحا أعمى يطعن المجتمع من الداخل. وتبقى الدولة، بوصفها الإطار الناظم، مطالبة بميزان دقيق بين الحزم والإنصات. السياسة الرشيدة لا تدار بردود الأفعال، ولا تقايض الشرعية بالضجيج. الخطوط الحمراء للدولة تتجسد في سيادة القانون، وحماية المؤسسات، واحترام الدستور، ومنع أي خطاب أو ممارسة تقوض الكيان أو تشرعن الفوضى أو تسوغ العنف ،الميزان هو القانون، والمرجعية هي المصلحة العامة. في قلب هذا كله، تقف الكلمة: مسؤولة أو منفلتة. الكلمة التي تبصر العواقب تطفئ الحرائق، والكلمة التي تتغذى على الإثارة تشعلها. لا حياد للكلمة في زمن الأزمات؛ إما أن تكون جسرا أو تكون خنجرا. ومن ثم، فإن واجب النخب، إعلاما وفكرا وسياسة، أن تعيد الاعتبار للخطاب الرصين، وأن تميّز بين النقد والبناء، وبين المعارضة والتقويض. إن الأمواج لن تهدأ، والاختلاف لن يزول، لكن البوصلة إن استقامت، عرفت السفينة طريقها.

 الخطوط الحمراء ليست خوفا من التغيير، بل ضمانة له؛ ليست مصادرة للحرية، بل شرطا لدوامها. وحين تحترم هذه الخطوط، تتراجع البلبلة، وتستعيد السياسة معناها، ويثبت الكيان، وتستعيد الكلمة شرفها.

لنا مصير مشترك ... !