"تحت يد القضاء" ... بين هيبة القضاء و حق المجتمع/محمد ولد عمار

في كل مرة تتفجر فيها قضية ذات طابع سياسي أو مالي أو إداري في موريتانيا، ترتفع عبارة جاهزة في وجه الرأي العام: “القضية تحت يد القضاء، ويمنع الخوض فيها”. تتحول هذه العبارة سريعا إلى ما يشبه خطا أحمر غير مكتوب، يطلب من الجميع الوقوف عنده: الإعلام، النخب، المدونون، وحتى الباحثون. ومع تكرار استخدامها، يكاد البعض يتعامل معها كقاعدة قانونية مطلقة، لا تقبل النقاش. غير أن الحقيقة أكثر تعقيدا من هذا الاختزال، وأدق من هذا الاستخدام المتكرر.
القانون الموريتاني لا يتضمن نصا عاما يجرم مجرد الحديث عن قضية معروضة أمام القضاء. الدستور يكفل حرية التعبير، ويقر بحق المواطنين في إبداء آرائهم ونقل المعلومات ضمن الضوابط القانونية. غير أن هذه الحرية ليست مطلقة، إذ تقف عند حدود واضحة: احترام قرينة البراءة، وعدم نشر أسرار التحقيق، وتجنب القذف والتشهير، والامتناع عن أي سلوك يمكن أن يفهم باعتباره محاولة للتأثير على القضاء أو الضغط عليه. المنع، إذن، لا ينصب على النقاش في ذاته، بل على الانحراف به إلى الإدانة المسبقة أو التضليل أو التشهير.
غير أن الإشكال لا يكمن دائما في النصوص، بل في كيفية توظيفها. ففي بعض السياقات، تستعمل عبارة “تحت يد القضاء” بوصفها حاجزا سياسيا أكثر منه إجراءا قانونيًا. يطلب من المجتمع أن يصمت لا حماية لسرية التحقيق فحسب، بل أحيانا تجنبًا للإحراج أو للجدل العام. وهنا ينشأ التوتر بين حماية العدالة من جهة، وحق المجتمع في النقاش والمساءلة من جهة أخرى. فالقضايا الكبرى، خصوصا تلك المتعلقة بالمال العام أو الشأن السياسي، لا تكون مجرد نزاعات فردية، بل تتحول بطبيعتها إلى قضايا رأي عام. ومن حق الرأي العام أن يسأل عن السياقات، والخلفيات، والاختلالات البنيوية التي أفرزت هذه الملفات، دون أن يتحول هذا التساؤل إلى حكم قضائي بديل.
القضاء سلطة مستقلة، واستقلاله يقتضي تحصينه من الضغوط، لكن هذا الاستقلال لا يعني عزله عن الفضاء العمومي أو إخراجه من دائرة النقاش العام. الفرق جوهري بين التأثير المباشر على قاض في ملف محدد، وهو أمر مرفوض قانونا وأخلاقيا، وبين تحليل الأبعاد العامة للقضية أو نقد السياسات التي أدت إليها. الخلط بين الأمرين يؤدي إما إلى محاكمات شعبية تضعف العدالة، أو إلى صمت جماعي يضعف الرقابة المجتمعية.
ولا يمكن إنكار أن بعض الممارسات الإعلامية والرقمية تسهم في تعقيد المشهد. فحين يقدم المتهم بوصفه مجرما قبل صدور حكم نهائي، أو تنشر تسريبات غير موثقة، أو تطلق حملات تشهير تتجاوز الوقائع، فإن المسؤولية القانونية تقوم بوضوح. القذف جريمة، ونشر معلومات كاذبة بقصد الإضرار جريمة، وانتهاك سرية التحقيق جريمة. غير أن معالجة هذه الانزلاقات لا تكون بتعميم الصمت، بل بترسيخ المهنية، وتطوير ثقافة قانونية لدى الفاعلين في المجال العام، وتعزيز وعي جماعي بأن النقد لا يعني الإدانة.
المسؤولية القانونية لا تنشأ لأن شخصا علق على قضية جارية، بل لأنه تجاوز حدودا محددة: نسب جريمة دون حكم نهائي، نشر معطيات سرية، حرض على التأثير في القضاء، أو تعمد الإساءة والتشهير. أما التحليل المتزن، وطرح الأسئلة، ومناقشة الآثار السياسية أو الاقتصادية لقضية ما، فيبقى في دائرة المباح ما لم ينزلق إلى تلك المحظورات. المشكلة إذن ليست في الحديث، بل في طريقة الحديث.
أخلاقيا، المسألة لا تقل حساسية عن بعدها القانوني. مجتمع يدين قبل أن يحكم القضاء يضعف العدالة، ويقوض قرينة البراءة. ومجتمع يمنع من النقاش كليا يفقد إحدى أهم أدواته في الرقابة والمساءلة. العدالة تحتاج إلى مناخ هادئ بعيد عن الضغوط، لكن الديمقراطية تحتاج كذلك إلى فضاء عمومي حي، يُطرح فيه السؤال وتُناقش فيه القضايا الكبرى. التحدي الحقيقي هو تحقيق هذا التوازن الدقيق، بحيث لا تتحول حماية القضاء إلى حماية للصمت، ولا تتحول حرية التعبير إلى فوضى تجهز على حقوق الأفراد.
عبارة “القضية تحت يد القضاء” ليست نصا مقدسا، ولا قاعدة تحظر كل نقاش، بل توصيف إجرائي يقتضي قدرا من التحفظ والانضباط. قيمتها تكمن في حماية مسار العدالة، لا في إغلاق المجال العام. فإذا استعملت لضمان محاكمة عادلة، فهي ضرورة. أما إذا تحولت إلى وسيلة لإسكات الأسئلة المشروعة، فإنها تفقد معناها القانوني، وتدخل في منطقة الالتباس السياسي. بين الصمت المطلق والمحاكمة الشعبية، يظل الخيار الأكثر انسجاما مع دولة القانون هو خطاب مسؤول، يحترم القضاء دون أن يتنازل عن حق المجتمع في التفكير بصوت مسموع.