عندما ينتصر التشهير وتغيب الحقيقة / محمد ولد عمار

في المجتمعات الحية، لا تتقدم الأفكار إلا بالحوار، ولا يزدهر الحوار إلا حين يبنى على الموضوعية والإنصاف واحترام العقل. فالنقاش الراقي لا يقوم على الانتصار للأشخاص، بل على الانتصار للحقيقة، ولا يقاس بارتفاع الأصوات، وإنما بقوة الحجة وسلامة الدليل.
إن الطرح الموضوعي هو ذلك الذي يركز على جوهر القضية، ويعالج الوقائع كما هي، بعيدا عن التأويلات المتعسفة والأحكام المسبقة. أما الطرح المقنع فهو الذي يخاطب العقل بالبرهان، ويستند إلى المعطيات لا إلى الانفعالات، ويترك للمتلقي مساحة للتفكير بدل محاولة إخضاعه أو استقطابه.
غير أن الكثير من النقاشات تنحرف عن مسارها الطبيعي، فتنتقل من مواجهة الحجة بالحجة والدليل بالدليل إلى مواجهة الأشخاص بأشخاصهم. وهنا يبدأ البحث في النوايا بدل الأفكار، وفي الخلفيات بدل الوقائع، وفي المواقف الشخصية بدل جوهر الموضوع المطروح. فيستحضر الانتماء السياسي حينا، والميول الفكرية أو الاجتماعية حينا آخر، وربما يستدعى الدين أو القبيلة أو التاريخ الشخصي للمتحدث، وكأن صحة الرأي أو خطأه مرهونة بصاحبه لا بمضمونه.
وعندما تصل النقاشات إلى هذه المرحلة، فإنها تكون قد غادرت الحلبة الأصلية. لم يعد الصراع بين أفكار ورؤى مختلفة، بل تحول إلى مواجهة شخصية تتبادل فيها الاتهامات وتوزع فيها الأحكام. عندها يخرج الحوار عن النص، وتضيع القضية الأساسية وسط ضجيج التجاذبات والاستقطابات، وينصرف الجهد إلى كسب المعركة النفسية بدل البحث عن الحقيقة.
والأخطر من ذلك أن المتلقي يصبح الضحية الأولى لهذا الانحراف. فهو يجد نفسه أمام سيل من التشكيك والتخوين والتصنيف، فيضيع بين التفاصيل الجانبية والمعارك الهامشية، ويصعب عليه التمييز بين الحقيقة والادعاء. ومع مرور الوقت تتشكل حالة من التخندق، حيث ينحاز كل طرف إلى معسكره، لا بناء على قوة الدليل، بل بناء على الانتماء أو العاطفة أو الولاء.
إن من أعظم القيم الأخلاقية والفكرية أن يقول الإنسان الحق ولو على نفسه، وأن يمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بالخطأ متى تبين له الصواب. فالرجوع إلى الحق فضيلة لا تنتقص من قدر صاحبها، بل ترفعه وتمنحه مصداقية أكبر. أما الإصرار على الخطأ خشية فقدان المكانة أو الانتصار المعنوي، فهو هزيمة للعقل قبل أن يكون هزيمة للرأي.
كما أن من مقتضيات العدالة والإنصاف أن ندرك أن التهمة لا تعني الذنب، وأن الاتهام ليس دليلا، وأن الشبهة لا ترقى إلى مرتبة الحقيقة. فكم من أبرياء أُدينوا في ساحات الرأي العام قبل أن تتكشف الوقائع، وكم من أفكار صحيحة رفضت لا لخلل فيها، بل بسبب موقف مسبق من أصحابها.
إن النقاش الموضوعي ليس ترفا فكريا، بل ضرورة أخلاقية ومعرفية لحماية الحقيقة من الضياع. وحين نتمسك بمبدأ مناقشة الأفكار بدل الأشخاص، والحجج بدل النوايا، فإننا نمنح العقل مكانته المستحقة، ونفتح الطريق أمام حوار ناضج ينتج فهما أعمق وحلولا أكثر جدوى.
فالحقيقة لا تضيع بسبب قوة الباطل وحدها، بل تضيع أيضا عندما ينشغل الناس بمعارك جانبية حول الأشخاص، ويتركون القضية الأصلية وحيدة في زحام الاتهامات والتجاذبات. وحينها لا ينتصر أحد، لأن الجميع يكون قد ابتعد عن الهدف الأسمى: البحث الصادق عن الحق.