ولاتة والقرى التابعة لها: بين سندان النسيان ووعورة الطريق / سيد محمد اسلم

تطرح ولاتة وقراها في الحوض الشرقي سؤالاً بسيطاً لكنه عميق: إلى أي مدى يمكن لمدينة مصنفة ضمن التراث الإنساني أن تظل خارج معادلة التنمية الوطنية؟
الواقع الحالي يلخصه سكان المنطقة بجملة واحدة تتكرر بصمت: نعيش بين سندان النسيان ووعورة الطريق.
النسيان هنا ليس غياباً عابراً. هو تراكم لسنوات من السياسات التي تعاملت مع المنطقة باعتبارها فضاءً ثقافياً للاحتفاء لا كمجال حياة يحتاج إلى خدمات مستمرة. في فترات معينة تحضر ولاتة في الخطاب الرسمي، عبر المهرجانات والزيارات والصور. لكن هذا الحضور سرعان ما يتلاشى مع انتهاء المناسبة، ويعود الهدوء إلى ما كان عليه. القرى التابعة تظل أبعد من ذلك. لا تصلها إلا الخدمات الدنيا، ولا تجد في الميزانيات السنوية ما يكفي لتثبيت طبيب أو مدرس أو مشروع ماء. مما ينتيج عنه تراجع في فرص البقاء، وهجرة متزايدة للشباب، وتراجع تدريجي لدور المجتمع المحلي.
وعورة الطريق تزيد المشهد تعقيداً. الطريق ليست مجرد وسيلة نقل. هي شرط أساسي لوصول الدولة وخدماتها، وشرط لحركة الناس والبضائع والأفكار. وفي غياب طريق معبد يربط ولاتة بالمراكز الحضرية، وفي ظل مسالك صعبة تربطها بقراها، تصبح كل معاملة إدارية أو صحية أو تعليمية عبئاً مضاعفاً. تكلفة النقل ترتفع، وتكلفة الزمن ترتفع، وتكلفة المخاطرة ترتفع. فيتحول المواطن إلى من يدبر أمره بنفسه، بعيداً عن منطق الدولة.
المفارقة أن هذه المنطقة هي نفسها التي تستند إليها الرواية الوطنية عن التاريخ والعلم والهوية. نحتاج إليها كرمز، لكننا لم نترجم هذا الرمز بعد إلى سياسات عملية تجعل من الحياة فيها ممكنة ومستقرة.
الخروج من هذه الحلقة لا يحتاج إلى حلول استثنائية. يحتاج إلى إدماج طبيعي. طريق وطني يربط ولاتة بشبكة الطرق، وطرق فرعية تربطها بقراها. خدمات أساسية في الصحة والتعليم والماء والطاقة تعمل بانتظام لا بموسمية. وميزانية تنموية واضحة لا ترتبط بحدث أو موسم.
حينها فقط يمكن أن يتحول الحديث عن ولاتة من حديث عن التراث إلى حديث عن الحاضر. ومن حديث عن الشوق إلى الخريف إلى حديث عن إمكانية العيش فيه دون خوف من مشقة الوصول.
وحتى ذلك الحين، سيظل سكان ولاتة والقرى التابعة لها ينتظرون أن تنتهي هذه المسافة الطويلة بين الرمز وبين الواقع.